عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
48
اللباب في علوم الكتاب
وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ للّه مائة رحمة واحدة منها بين الجنّ والإنس والبهائم والطير والهوامّ فيها يتعاطفون وبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخّر تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة » « 1 » . وعن عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - قال : « قدم على النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم صبيّ ، فإذا امرأة من السّبي قد تحلب ثديها لسقي إذ وجدت صبيا في السّبي ، فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم : أترون هذه طارحة ولدها في النّار ؟ قلنا : لا وهي تقدر على أن تطرحه ، فقال : للّه أرحم بعباده من هذه بولدها » « 2 » . قوله : « الَّذِينَ خَسِرُوا » فيه ستّة أوجه « 3 » : أحدها : أنه منصوب بإضمار « أذمّ » ، وقدّره الزّمخشري « 4 » ب « أريد » ، وليس بظاهر . الثاني : أنه مبتدأ أخبر عنه بقوله : « فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » ، وزيدت الفاء في خبره لما تضمّن من معنى الشّرط ، قاله الزجاج « 5 » ، كأنه قيل : من يخسر نفسه فهو لا يؤمن . الثالث : أنه مجرور على أنه نعت للمكذّبين . الرابع : أنه بدل منهم ، وهذان الوجهان بعيدان . الخامس : أنه منصوب على البدل من ضمير المخاطب ، [ وهذا ] « 6 » قد عرفت ما فيه غير مرّة ، وهو أنه هل يبدل من ضمير الحاضر بدل كلّ من كل في غير إحاطة ولا شمول أم لا ؟ ومذهب الأخفش جوازه ، وقد تقدّم دليل الفريقين ، وردّ المبرد « 7 » عليه مذهبه ، بأنّ البدل من ضمير الخطاب لا يجوز ، كما لا يجوز : « مررت بك زيد » وهذا عجيب ؛ لأنه استشهاد بمحلّ النزاع ، وهو « مررت بك زيد » ، وردّ ابن عطيّة « 8 » - رحمه اللّه تعالى - ردّه فقال : « ما في الآية مخالف للمثال ؛ لأنّ الفائدة في البدل مترتّبة من الثاني ، فأمّا في « مررت بك زيد » فلا فائدة في الثاني . وقوله : « ليجمعنّكم » يصلح لمخاطبة النّاس كافّة ، فيفيدنا إبدال « الّذين » من الضمير أنهم هم المختصّون بالخطاب ، وخصّوا على جهة الوعيد ، ويجيء هذا إبدال البعض من الكلّ » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصحيح 10 / 431 ، كتاب الأدب : باب جعل اللّه الرحمة الحديث ( 6000 ) ، وأخرجه مسلم في الصحيح 4 / 2108 ، كتاب التوبة : باب سعة رحمة اللّه الحديث ( 19 / 2752 ) واللفظ له . ( 2 ) أخرجه البخاري في الصحيح 10 / 426 - 427 ، كتاب الأدب باب رحمة اللّه الحديث ( 5999 ) ، وأخرجه مسلم في الصحيح 4 / 2109 ، كتاب التوبة : باب في سعة رحمة اللّه الحديث ( 22 / 2754 ) . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 87 الدر المصون 3 / 17 ، 18 . ( 4 ) الكشاف 2 / 9 . ( 5 ) ينظر : معاني القرآن له 2 / 255 . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) في ب : ورد عليه المبرد . ( 8 ) ينظر : المحرر الوجيز ( 2 / 272 ) .